/ أقــلام


رحيل صالح... رجل الحرب
17/12/2017 22:27:46
بقلم / الاستاذ عبدالباري طاهر

قبيل حركة 13 يونيو 74، ربما بأسابيع، كتب الشاعر الكبير عبد الله البردوني مقالة بعنوان، «سقوط البين بين»، كنبوءة بسقوط حركة 5 نوفمبر، ولكنه أيضاً دان حركة 13 يونيو. وقال:
دبابةٌ يا عمّ ماذا أرى انقلابٌ؟ جدتي عارفة
ثم أبرز تعاطفاً كبيراً مع الحركة وقائدها الشهيد إبراهيم محمد الحمدي.
في كتابه «اليمن الجمهوري»، كتب أطول نص عن علي عبد الله صالح. وأستميح القارئ في نشر مقاطع منه: «تلقى علي عبد الله صالح القراءة والكتابة بذكاء ابن الفلاح، ثم التحق بالجندية في (بلوك سنحان)، فتحول من موقع شعبي إلى موقع أوفر شعبية. وعندما حملت الثورة فجر اليمن الجمهوري، كان الرئيس من جنودها الأوفياء على امتداد مسيرتها القتالية، برغم أن أشباه الإقطاعيين من منطقته وسائر المناطق تاجروا بالحروب». يضيف أن «علي عبد الله صالح من شرائح القوة المنتجة التي تصنع رغد اليمن؛ فالفلاحون - بكل المقاييس - هم غالبية شعبنا. انتقل علي عبد الله صالح من الفلاحة إلى الجندية، فكان تناميه من الشعب إليه، وكان ترقيه بتدرج خبرته، فمن حركة 13 يونيو 74 إلى 78 مارس الاختبار المباشر في العسكرية والوطن». يشير إلى توليه قيادة لواء تعز. وكان ذلك بداية الصعود، مؤكداً أنه قوَّى علاقاته بكل المواطنين، وأنه أصبح رئيس أركان بعد مقتل الغشم عام 78.
يتحدث البردوني عن مغامرة صالح في استلام الرئاسة في ظل تحالف النظامين العراقي والسعودي ضد «الجبهة الوطنية الديمقراطية»، ويرى أن رئاسته ثمرة لهذا التلاقي. ولكنه يرى أنه أول رئيس من أبناء الفلاحين الكادحين. كان الشاعر الكبير المبصر أكثر من المبصرين - كوصف شيخ الصحافيين صالح الدحان - متفائلاً جداً بالعهد.
أذكر أنني بعد صدور كتاب، «الجمهورية إلى أين؟»، كتبت عدة مقالات بعنوان، «البردوني إلى أين؟»، في صحيفة «الأمل». ربما كانت مذكرات سنان أبو لحوم، وعبد الله بن حسين الأحمر، أبلغ رد على البردوني. فالشيخ عبد الله يذكر أنه بعد مقتل الغشمي، كان هناك توافق بين النخب والمشايخ على رفض تولي صالح الرئاسة، وفاتحوه بذلك. لكن تدخل السعودية القوي، ودور ملحقها العسكري صالح الهديان (المتهم بالمشاركة في مقتل الحمدي) هو الذي حسم الأمر لصالح علي عبد الله صالح. (مذكرات الأحمر: 225 - 227).
صالح جلّ مجده الحرب. فهو معجون بالحرب، ومصنوع منها. بدأ حياته في الارتباط بهادي عيسى، أحد ضباط سبتمبر والصف ما بعد الثاني، وكان الأكثر تطرفاً في القتل والممارسات الدموية.
يشير الشيخ سنان في مذكراته إلى أنه من قيادات حرب 24 أغسطس، وهي المواجهات المسلحة في صنعاء بين شباب القوات المسلحة المدافعين عن صنعاء، والتي انتهت بضرب نواة الجيش الوطني، وإزاحة شباب الجيش والمقاومة الشعبية التي حمت صنعاء إبان حصار السبعين يوماً؛ وهو ما أفسح السبيل أمام تسيّد القوى التقليدية، وتحديداً كبار المشايخ. جَعَل صالح يوم 24 أغسطس يوم تأسيس «المؤتمر الشعبي» عام 1981 كتخليد لذكرى ضرب نواة الجيش الوطني الحديث.
كان صالح هو الفاعل العلني والضمير المستتر في كل الحروب

كان جندياً عادياً (مساعد عريف) في مطلع الثورة السبتمبرية، وفق شهادة الضابط المصري عزمي زكريا التي سجلها عبد الرحمن شلقم، مضيفاً في مقاله واقعة التخلص من شباب التيار الناصري (عيسى محمد ورفاقه) في الانقلاب الأبيض ضده، والذي لم تسفك فيه قطرة دم واحدة.
تعيينه بعد حركة 13 يونيو 74 قائداً للواء تعز كان بداية الصعود، واتساع نطاق الصراع. فالقوة الحقيقية للجيش حينها كانت في باب المندب في مواجهة الجنوب، وتعز التي كانت في ذلك الوقت معقل اليسار والتيارات القومية اليسارية (البعث، والناصريين).
يشير الشيخ عبد الله الأحمر في مقابلاته إلى أن صالح طلب إعطاءه مهلة للأخذ بثأر صديقه أحمد الغشمي. الحماس للأخذ بثأر الغشمي، وإعلان الحرب ضد الجنوب، والدعم السعودي للحرب هو سلم الصعود. خسر حرب 1979 بخذلان سعودي.
يسجل سنان أبو لحوم في مذكراته أنه حصل اجتماع في منزل صالح في 22/2/78. جمع صالح، أحمد علي المطري، ورئيس مجلس الشعب التأسيسي عبد الكريم العرشي، ورئيس الوزراء عبد العزيز عبد الغني، ووزير الإعلام باسندوة، ووزير الخارجية الأصنج، والعقيد عبد الله سبعة، والسفير السعودي (الحارثي)، والملحق العسكري السعودي صالح الهديان، وبعض الضباط. ناقش الاجتماع إعلان الحرب ضد الجنوب. كان الإجماع على إعلان الحرب.
يضيف سنان، قلت للرئيس: «يا ابني لا تنخدع بهذا الرأي! ويكفي أن تتعظ من حرب 72، وليس من المصلحة أن نكرر الخطأ. وإذا كان هناك حماس من السعودية للحرب، ورغبة في دعمها، فعليها أن تدفع مبلغ عشرة مليار لتغطية تكاليف تأهيل الجيش وبنائه، ثم نتحدث بعد ذلك عن الحرب». اعترض الهديان، وقال: يبدو أن الشيخ سنان لديه خلفية وآراء خاصة أو بعثية. (راجع ص266).
انسحب سنان والمطري، وأُعلنت الحرب في 24 فبراير 79. طوال عقدي السبعينات والثمانينات لم تتوقف الحرب في المنطقة الوسطى بين «الجبهة الوطنية الديمقراطية» و«الجبهة الإسلامية»، وصولاً إلى حرب 1994 التي خاضها صالح و«الإصلاح» تحت شعار «الوحدة أو الموت»!
حرب 94 أم الكوارث كلها؛ فقد دمرت الجنوب، وألغت مشاركته في بناء دولة الوحدة، ومنها توالت عشرات حروب علنية ومستترة: حروب صعدة الست التي شاركت فيها السعودية، وحروب بين القبائل والمناطق وحتى الأسر. كان صالح هو الفاعل العلني والضمير المستتر في كل هذه الحروب. فالوحدة التي تحققت بالسلم دمرها بالحرب.
في حرب 94 كان متردداً، وأقل حماساً للحرب من الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، وعلي محسن الأحمر، وزعامات «الإصلاح». ربما كان مردّ هذا التردد أن إشارة الحرب هذه المرة لم تُعط له وحده من السعودية، وربما كانت موهمة للطرفين؛ فالسعودية لم تكن مع الوحدة أصلاً.
ويشير الشيخ عبد الله في مذكراته إلى أنه أثناء زيارته للسعودية مع الدكتور عبد الكريم الإرياني إبان الحرب، وفي نهاية اللقاء، وبعد خروج الإرياني وسلطان، أمسك فهد بيدي وقال لي: «إذا كنتم قادرين على الدخول إلى عدن، وحسم الموقف، فبادروا؛ لتخرجونا من الحرج، وتضعوا الجميع أمام أمر واقع، وتفوتوا الفرصة على أي تدخل». (ص276 وص277).
ويبدو أن المملكة قد شجعت كلا الطرفين. وكان تردد صالح ثمرة معرفته أنه ليس اللاعب الوحيد. فالطابع الديني للحرب بفتاوى الزنداني والديلمي، والشعارات التي غطت شوارع مدن الشمال: «من جهز غازياً فقد غزى، ومن خلف غازياً في بيته فكأنما غزى»(!)، تعني علي محسن أكثر مما تعني علي صالح، ثم ميل دول الخليج - عدا قطر- لصالح الجنوب.
حرب 94 بوابة حروب تبدأ ولا تنتهي. فمن ثمارها الكريهة حروب صعدة الست التي شاركت السعودية في الأخيرة منها. اللافت أن صالح حينها قال: «الآن بدأت الحرب». وقد كرر العبارة هذه في الدعوة إلى المواجهة مع «أنصار الله»، في حربه على الساحات في ثورة «الربيع العربي» في اليمن، وبالأخص في «جمعة الكرامة»، وإحراق ساحة تعز، وتقتيل العشرات في العديد من الساحات.
أما الحديث عن الاغتيالات فالمسلسل يطول. فقد تم اغتيال أكثر من 150 شخصية من كوادر «الحزب الاشتراكي» في صنعاء خلال أربعة أعوام من عمر الوحدة. وهناك اغتيالات عديدة طالت شخصيات في الأحزاب السياسية، ومستقلين، وزعامات وطنية وقبلية معارضة.
حرب انقلاب 21 سبتمبر 2014 قادها بالأساس جيشه وأمنه متحالفاً مع «أنصار الله». وقد اجتاح الجنوب، وألحق الدمار بالمدن والقرى الجنوبية، وفرض الحصار الممتد على تعز حتى اليوم.
خيبة أمل الشاعر الكبير والروائي عبد الله البردوني كانت كبيرة، وعبّر عنها بقوة في عشرات القصائد في ديوانيه: «جواب العصور» و«عودة الحكيم علي بن زايد». وهناك ديوانان مخفيان، وحديث مرسل عن كتاب «الجمهورية الرابعة» قد يكون ما فيه سبب لإخفائه.
قال ابن جعدان: هذي الخمس عشرة من عمري
أشبــــــــن غرابيـــــــباً وأعكانـــــــــــا
أخشى على الشــــــعب منهــم إذ أخاف على
سنحـــــان من نفسه من بعض سنحــــــــانا
(محشر المقتضين، صيف 92).
ويقيناً، فإن خيبة الشعب اليمني بغالبيته كانت أكثر من خيبة البردوني. وإذا كان مَنحُ البراءة مذموماً، فإن التشفي وجه آخر للتبرئة. فصالح كان أحد أهم عوائق بناء الدولة، وارتد بالكيان الوطني إلى ما دون مستوى القبيلة. كان شجاعاً حدّ التهور، ومقامراً حتى تخوم الانكشاف، وقاتلاً ومقاتلاً كالكارثة التي صنع فصولها وقُتل بها.


جميع الحقوق © محفوظــة لدى موقع الاقتصاد نيوز
 التصميم والدعم الفني   AjaxDesign    773779585 967+