دراسة ,,, الفاقد من الغذاء في اليمن يتزايد بمعدلات كبيرة
31/10/2019 22:25:52

قالت دراسة اقتصادية حديثة حول ترشيد الاستهلاك في مواجهة التبذير والإسراف إن أحد المقاييس الهامة لمدى التطور والتقدم الذي بلغته أمة من الأمم يتمثل في كونها تنتج أكثر مما تستهلك، وانه لو طبقنا ذلك على بلادنا لوجدنا أنها تستهلك أكثر مما تنتج، على سبيل المثال لا الحصر استهلكت بلادنا من القمح وفقا للإحصائيات المتاحة لعام 2017م حوالي 3.5مليون طن أنتجت منها 100.000 فقط بما نسبته 2.8 % وهي ضئيلة جداً وأخداً في الاعتبار استمرار تزايد النمو السكاني بما يفوق 3 % سنوياً فإن علينا أن ندرك أن الفجوة بين حجم الإنتاج والاستهلاك مرشحة للاتساع إلى أن تصبح بلادنا مستوردة لكلما تستهلكه ويصبح رقم الإنتاج صفراً ولست بحاجة هنا إلى التنبيه من التبعات الخطيرة لهذا الوضع في حال وصل اليه اليمن لا سمح الله حيث يزداد موقف البلاد ضعفاً وعرضة أكثر للإملاءات والشروط الخارجية.

الدراسة التي قدمها رجل الأعمال يحيى الحباري الى ندوة أقيمت مؤخرا حول الأمن الغذائي في اليمن أوضحت أنه إذا كان ذلك يتعلق بالقمح فقط باعتباره أهم سلعة غذائية في بلادنا فإنه سيزداد قتامة بإضافة السلع الأخرى التي تستهلكها البلاد وهي مستوردة بطبيعة الحال ، وإنه وضع ينذر بالخطر بل هو خطر قائم فعلاً ويحتاج إلى خطوات جادة لمواجهته بمعالجات عاجلة وشاملة على المستوى العام بحيث تهدف إلى تحسين حياة اليمنيين ورفع مستوى معيشتهم من خلال تطوير القطاعات الاقتصادية وتطبيق حزمة شاملة من السياسات التي يجب أن تتجه نحو تنمية القطاعات وبشكل متواز.
مشيرة الى أنه وفي اطار هذه المعالجات يجب التركيز أولاً بدرجة أساسية على الغذاء حيث انه مخرج من مخرجات قطاعي الزراعة والأسماك وبحيث يصبح هذا التوجه أولوية لدى الجميع في هذا البلد: مجالس محلية، سلطات مركزية ، مجتمعاً مدنياً بمنظماته الجماهيرية والمهنية والابداعية والتنموية ، وكل فرد في المجتمع ، بحيث نضمن بلوغ الهدف الكبير المتمثل في إصلاح الخلل الحاد بمعادلة ( نستهلك أكثر مما ننتج ) السائدة في الوقت الراهن.
سياسات مطلوبة
وأضافت الدراسة انه إذا كانت المعالجات عبر سياسات فاعلة من قبل الحكومة تشكل مطلباً ملحاً إلى جانب المبادرات المجتمعية في دعم هذه السياسات فإن واحداً من أهم الالتزامات التي يجب على مجتمعنا أن يظهرها أمام اتساع الفجوة القائمة بين الإنتاج والاستهلاك يتمثل في ترشيد الاستهلاك الذي هو الضد للإسراف والتبذير الذي يعانيهما مجتمعنا رغم كل التحديات التي يعيشها ويواجهها بينما ندعو إلى ترشيد الاستهلاك ولا نعني بذلك الحرمان لكنها دعوة إلى التوسط وعدم الاسراف والاستفادة من نعم الله عز وجل بما يتفق مع ما جاء في كتابه العزيز (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ (31)) [الأعراف آية: (31)] وقوله تعالى (إِنَّ المُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (27)) [الإسراء آية: (27)] .
موضحة أن الإسراف والتبذير دليل على جهل المسرف بتعاليم الدين الحنيف ، في حين أن ترشيد الاستهلاك يعبر عن سلوك حضاري قويم، يرتبط بحسن عبادة الإنسان لربه وترشيد الاستهلاك على مستوى الممارسة، عملية إدارية تبدأ بالفرد والأسرة وتنتهي بالبيت الكبير ( اليمن ) وتتطلب استغلال الموارد المتاحة واستخدامها بما يكفل تحقيق أعلى عائد ومردود لأبناء هذا البلد وحسن أدارة المنزل يشكل النواة الأولى للترشيد والتي تعني أيضاً حسن استغلال أفراد الأسرة لمواردهم المتاحة وعدم الإسراف في استخدامها وتقليل الفاقد منها قدر الإمكان .
إن هذا الأمر يتطلب تربية وتوعية الأفراد بحقوقهم وواجباتهم في إطار عمليتي الإنتاج والاستهلاك على أن تكون الأولوية على مستوى الفرد والأسرة فيما يسمى العجز الذي يعني الفقر.
وفي حياتنا العديد من الأمثلة السيئة على الممارسات التي تتم من خلال الأفراد والأسر وتعبر عن حالة غير مقبولة من عجائب الإسراف والتبذير وأهمها : التبذير في الطعام والشراب والقاء فضلات الطعام في براميل القمامة ، قد تصل نسبة تلك الفضلات إلى ما بين 20 - 30 % وهي نسبة كبيرة.
الإسراف والتبذير
ولفتت الدراسة الى أن هناك إحصائية توضح خطورة ما آل اليه أمر الإسراف والتبذير تتعلق بأمانة العاصمة حيث كان عدد سكان الأمانة عام 2015م حوالي 2.957.000 نسمة وإذا ما افترضنا أن متوسط أفراد كل أسرة سبعة فإن عدد الأسر حوالي 422.428 ولو افترضنا نسبة فاقد كل أسرة اثنين كيلو جرام يومياً فإن الفاقد السنوي 304.148 طناً ويمكن احتساب هذا المعدل في بقية المحافظات على تفاوت حجم الاستهلاك والتبذير والإسراف .
وهكذا يتضح أنه برغم قلة الدراسات المتعلقة بالإسراف والتبذير إلا أن نتائجهما على نحو ما عرفنا في أمانة العاصمة مرعبة حقاً ما يستدعي دراسات متأنية وشاملة لجوانب الإسراف والتبذير المختلفة ويمكن أن نشير هنا إلى أبرزها: في الطعام والشراب ويشمل الخبز ، الخضار والفواكه ، فلا تخفى على القارئ كميات مخلفات الخبز والأرز مثلاً التي ترمى في القمامة يومياً .
الأعراس
ما يقدم في الأعراس من أكل وشراب وقات فضلاً عن التكاليف الباهظة التي يتم دفعها عادة لغرض التباهي وهذه من الأمور التي دخلت في ثقافتنا وعاداتنا وسلبت تقاليدنا الجميلة التي تتميز بالبساطة والتواضع.
ففي الموضة والانشغال بجنون الأزياء استجابة لضغوطات حملات الإعلان الصاخبة، وتعاطي القات والتدخين من قبل الشباب عاهة تسلبهم أوقاتهم فيما لا يفيد.
ويتعدى الإسراف والتبذير حاجات الاستهلاك اليومية ليشمل الطاقة الكهربائية والمياه ، الهاتف ، الوقود ، الأسمدة والكيماويات والمبيدات ، إفساد مصادر المياه والانتاج وبالتالي تهديد بأخطار جمة منها الانبعاث الحراري ، التصحر والاختلال في دورة الأوكسجين وثاني أوكسيد الكربون وغيرها وقد لاحظنا في الفترة الأخيرة الاستنزاف والتبذير في المياه الجوفية وخاصة في الآبار التي تنتج بالطاقة الشمسية والتي لا تستهلك وقوداً وتتميز بانخفاض تكاليف تشغيلها حيث يستمر تشغيلها نهاراً وبدون توقف ويتم استنزاف المياه الجوفية وتستخدم في كثير من الحالات لري مزارع القات برغم أن المياه الجوفية هي ثروة وملك للأجيال الحالية والقادمة وهي من الموارد القابلة للنضوب، ولذلك نناشد أصحاب تلك الآبار بترشيد استهلاك المياه الجوفية والتعامل معها بمسؤولية وطنية والإقرار بأن المياه الجوفية هي ملك للأجيال الحالية والقادمة وهي من الموارد القومية للبلاد .
الترشيد منهج حياة
وفي مواجهة هذه الاشكال أوصت الدراسة الجميع بأن يجعلوا الترشيد منهج حياة يعكس الوسطية التي ميز الله تعالى بها أمة الإسلام دون غيرها لقوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة آية: (143)] لقد أدركت الأمم والمجتمعات الإنسانية أهمية الاعتدال بترشيد الموارد المتاحة، فنبذت الإسراف وابتعدت عن الاستخدام الجائر للموارد الطبيعية لذلك نعيش اليوم وضعاً أفضل، وحين يتعلق الأمر بأمتنا فإن ديننا الحنيف ركز كثيراً على الترشيد وعدم الإسراف وجاء بقيم أخذت بها الأمم الأخرى في جميع نواحي حياتها وشؤونها، وابتعدنا نحن عنها للأسف الشديد.
ويكفي أن نعرض مثالاً حول كيفية تصرف الإنسان الغربي في استهلاكه اليومي للفاكهة، فهو يشتريها بالقطعة في حين لا يكتفي العربي بشراء كيلو واحد فقط بل وينوع في الفاكهة التي يشتريها بكميات تزيد عن حاجته كما لا تكتفي المرأة في بلادنا بطبخ نوع واحد من الطعام بل أنواع مختلفة ينتهي الأمر بأكثرها في براميل القمامة.
الحاجة الملحة
من هنا فإن الحاجة ملحة بحسب الدراسة لأن يعي المجتمع أهمية ترشيد الاستهلاك وتنخرط وسائل الإعلام ، ومؤسسات التربية والتعليم ، والمنابر الدينية والثقافية ، ومنظمات المجتمع المدني في حملات مكثفة للتوعية بأهمية الترشيد الاستهلاكي، ويفترض أن تبدأ الحملة اليوم دون الغد ، فنحن بحاجة إلى الترشيد في كافة نواحي حياتنا الاقتصادية وتحسين استخدام الموارد الغذائية بما يؤدي إلى الاحتفاظ بمستوى صحي جيد للسكان وعدم الإسراف، فالمسؤوليات تتعدد على رب الأسرة أن يكون قدوة حسنة في الترشيد باعتباره المسؤول الأول عن هذه الأسرة ، وهناك مسؤولية تجاه النشء وتشجيعهم على الترشيد منذ الصغر.
على الجميع - في الدولة والمجتمع - المساهمة في تعميق ثقافة (ترشيد الاستهلاك) من أجل الوصول إلى المستوى الأمن اقتصاديا من العيش وتقليص الفجوة بين حجم الإنتاج والاستهلاك على أن تكون الخطوة الأولى الوصول إلى مرحلة تتساوى فيها مستويات الاستهلاك والإنتاج وبما من شأنه تجاوز مرحلة الضعف الذي تعاني منه البلاد حالياً وما يعنيه ذلك من الذل والخنوع للآخرين.